الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
100
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : قوله يا صاحبي ، يخاطب به ساكن القلب أيضا في البيت قبله مناديا له بيا الموضوعة لنداء البعيد لبعد حالته من حالته . وقوله وأنا البر الرؤوف ، يعني أنا متصف في صحبتك بالصدق والتقوى وشدّة الرحمة بك . وقوله وقد بذلت نصحي ، أي فيما قلت لك من قبل لا تنظر إلى سكني . وأقول لك الآن زيادة على ذلك بذاك الحي لا تعج ، أي لا تقم ولا تقف ولا تعطف رأس بعيرك بالزمام مخافة عليك أن تفتتن بالمحبة وتقع في شرك البلاء والمحنة . ثم أخذ في شرح حاله تأكيدا لنصحه المصرح به في مقاله . فقال فيه خلعت عذاري وخلع العذار ، كناية عن عدم المبالاة بما يفعل . وقوله واطرحت به قبول نسكي الخ . يعني ألقيت عن قلبي الإقبال على غير الحق تعالى وأفردت توجهي إليه سبحانه ولم أشتغل عنه بقبول طاعة ولا عبادة وتوجهت همتي إليه تعالى فتوجه تعالى إلى خلق الأعمال الصالحة لي وإظهارها مني واستعملني في طاعته ظاهرا وباطنا به لا بنفسي . اه . وابيضّ وجه غرامي في محبّته واسودّ وجه ملامي فيه بالحجج [ الاعراب والمعنى ] « الوجه » في البيت يجوز أن يكون بمعنى الجارحة ويجوز أن يكون بمعنى الطريق فعلى الأول يكون المعنى الوجه الذي يدعو صاحبه إلى غرامي فهو أبيض . والوجه الذي يدعو صاحبه إلي ملامي فهو أسود وعلى الثاني يكون المعنى الطريق الذي يسوق إلى المحبة ويدعو إليها أبيض والطريق الذي يسوق إلى الملامة أسود ويجوز كون الأول بمعنى الجارحة والثاني بمعنى الطريق وبالعكس . وقوله « بالحجج » متعلق باسودّ أي اسودّ وجه ملامي فيه بالأدلة والبراهين . والحجج بضم الحاء جمع حجة وهي الدليل . وأما الحجج في قوله والمقبول من حججي فهي بكسر الحاء اسم مصدر من الحج وهو قصد مكة للنسك وكذا قوله ويوم إعراضه في الطول كالحجج فهي أيضا بكسر الحاء ومن ذلك قوله تبارك وتعالى : ثَمانِيَ حِجَجٍ [ القصص : الآية 27 ] إذ المراد بها الأعوام وما ألطف هذا البيت فإنه جامع بين لطف اللفظ وصحة المعنى ففيه مطابقة بين أبيض وأسود ، وكذا بين الغرام والملام مع ما هناك من التصريع في قوله « وابيض وجه غرامي » و « اسودّ وجه ملامي » . ( ن ) : ابيضاض وجه الغرام بمعنى أنه صار مقبولا عنده وعند الحق تعالى واسوداد وجه الملام كونه غير مقبول عنده وعند الحق تعالى لأنه صدّ عن سبيل اللّه تعالى بالغفلة والجهل . اه . تبارك اللّه ما أحلى شمائله فكم أماتت وأحيت فيه من مهج